المقريزي

312

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

ويقال واللّه أعلم ، أنّ بلهيت الذي يعرف اليوم بأبي الهول ، طلسم وضعه القدماء لقلب الرمل عن برّ مصر الغربيّ الذي يعرف اليوم ببرّ الجيزة ، وأنه كان في البرّ الشرقيّ بجوار قصر الشمع صنم من حجارة على مسامتة أبي الهول ، بحيث لو امتدّ خيط من رأس أبي الهول وخرج على استواء ، لسقط على رأس هذا الصنم ، وكان مستقبل المشرق ، وأنه وضع أيضا لقلب الرمل عن البرّ الشرقيّ ، فقدّر اللّه سبحانه وتعالى أن كسر هذا الصنم على يد بعض أمراء الملك الناصر محمد بن قلاون ، في سنة إحدى عشرة وسبعمائة ، وحفر تحته حتى بلغ الحفر إلى الماء ، ظنا أنه يكون هناك كنز ، فلم يوجد شيء ، وكان هذا الصنم يعرف عند أهل مصر بسريّة أبي الهول ، فكان عقيب ذلك غلبة النيل على البرّ الشرقيّ ، وصارت هذه الجزائر الموجودة اليوم ، وكذلك قام شخص من صوفية الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء ، يعرف بالشيخ محمد صائم الدهر في تغيير المنكر أعوام بضع وثمانين وسبعمائة ، فشوّه وجوه سباع الحجر التي على قناطر السباع خارج القاهرة ، وشوّه وجه أبي الهول ، فغلب الرمل على أراضي الجيزة ، ولا ينكر ذلك ، فللّه في خليقته أسرار يطلع عليها من يشاء من عباده ، والكلّ بخلقه وتقديره . وقد ذكر الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه في كتاب أخبار مصر ، في خبر الواحات الداخلة ، أن في تلك الصحارى كانت أكثر مدن ملوك مصر العجيبة وكنوزهم ، إلا أن الرمال غلبت عليها . قال : ولم يبق بمصر ملك إلّا وقد عمل للرمال طلسما لدفعها ، ففسدت طلسماتها لقدم الزمان . وذكر ابن يونس عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه قال : إني لأعلم السنة التي تخرجون فيها من مصر ، قال ابن سالم : فقلت له ما يخرجنا منها يا أبا محمد أعدوّ ؟ قال : لا ولكنكم يخرجكم منها نيلكم ، هذا يغور فلا تبقى منه قطرة ، حتى تكون فيه الكثبان من الرمل ، وتأكل سباع الأرض حيتانه . وقال الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير قال : إنّ الصحابيّ حدّثه أنه سمع كعبا يقول : ستعرك العراق عرك الأديم ، وتفت مصر فت البعرة . قال الليث : وحدّثني رجل عن وهب المعافريّ أنه قال : وتشق الشام شق الشعرة ، وسأذكر من خبر هذه الجزائر المشهورة ما وصلت إلى معرفته إن شاء اللّه تعالى . ذكر الروضة اعلم أنّ الروضة تطلق في زماننا هذا على الجزيرة التي بين مدينة مصر ومدينة الجيزة ، وعرفت في أوّل الإسلام بالجزيرة ، وبجزيرة مصر ، ثم قيل لها جزيرة الحصن ، وعرفت إلى اليوم بالروضة ، وإلى هذه الجزيرة انتقل المقوقس لما فتح اللّه تعالى على المسلمين القصر